Visits: 42791
Contact Us
Contact Us
Share SourCity On Facebook

هابتامو قاد 8000 ساعة في 20 عاما وماذا في أثيوبيا؟

هابتامو قاد 8000 ساعة في 20 عاما وماذا في أثيوبيا؟
0
19
Hits

06-02-2010-021.jpgمنذ هوت طائرة البوينغ 737 في البحر الأبيض المتوسط والتكهنات تكبر والتحليلات تتتالى عن السبب: القبطان؟ الطقس؟ الطائرة؟ عمل إرهابي؟ كلهم حللوا ونسوا، في غمرة الكلام الفارغ الكثير، ذاك الطاقم العامل على متن الرحلة 409 الأثيوبية! من كان الكابتن الطيار؟ من كان مساعده؟ المضيفات كلهن أثيوبيات؟ الكابتن جديد في عالم الطيران؟ سيرته غير مهنية؟ لماذا رفض الاستجابة لبرج المراقبة؟  وضع القبطان في «التحليل الرسمي» لا يُطمئن، والاعلام انهمك في التفاصيل الكثيرة ونسي من كان خلف المقود، في قمرة القيادة! فهل يجوز أن تموت حكايته مع موته؟  كما في لبنان كذلك في أثيوبيا: استنتاجات كثيرة تكرج على هدير طائرة البوينغ المتحطمة في قاع بحر أزرق كبير. الصمت في بيوت كثيرة مطبق وأصوات الشاشات الصغيرة لا ترتفع في البيوت الأثيوبية الحزينة إلا لإشارة خبر عاجل من بحر لبنان! العادات في تلك البلاد لا تزال تقضي بإطفاء الشاشات وخفض الأصوات واقفال الشبابيك وارتداء الأسود القاتم. منزل الكابتن الطيار هابتامو بنتي، قائد الرحلة 409 على الطائرة الأثيوبية، غارق في الحزن الكبير. والدته تستقبل المواسين وتأبى البكاء: “هابتامو لا يخاف البحر ولا الفضاء، وسيعود ولو جثة!” ومن قال “ن الأمهات الأثيوبيات لا يبكين، مثل أمهاتنا، دما على فلذاتهن؟!
الحزن في ذاك البيت يبدو مضاعفا، والقهر كبير وأصوات تكرر ما قاله المدير العام لشركة الطيران الاثيوبية جيرما وايك بعيد سقوط الطائرة ومحاولة البعض إلقاء اللوم على الطيار هابتامو بأنه لم يستجب لأوامر برج المراقبة وقد يكون سكيرا! قال وايك: “من المبكر جدا التحليل والاستنتاج. وإلقاء اللوم على طيار بارع”… فهل سمع اللبنانيون؟
هناك، في ذاك البيت الأثيوبي الهادئ، أصدقاء ومعارف وأحباب لذاك الطيار الناضج، الذي يبدو في عقده الرابع، يتحدثون عن مآثره المهنية الكثيرة وخبرته الواسعة في عالم الطيران، مستغربين ما حصل معه وغير مصدقين أن هابتامو عجز عن استيعاب عطل فني ما في طائرة حديثة وخاضعة لصيانة! فالطيار طار في الأجواء أكثر من ثمانية آلاف ساعة، ومضى عليه خلف مقود الطائرات أكثر من عشرين عاما. وهو، في اختصار، ليس ابن الساعة في التحليق عاليا فوق السحاب!
الطيار الأثيوبي من بلدة نائية تقع غرب أثيوبيا اسمها نيكيمت. التحق بجامعة أديس أبابا عام 1975 وحاز شهادة بكالوريوس في الكيمياء عام 1978، وانضم بعد عام الى شركة أدماس للخدمات الجوية، التي تملكها الحكومة الأثيوبية وتُعنى برش المبيدات، واندمجت لاحقا بشركة الخطوط الجوية الأثيوبية. تدرب مدة عامين وتخرج طيارا من مدرسة تدريب الطيارين وانضم الى “الأثيوبية” وأمضى فيها نحو عشرين عاما.
قدرٌ جعل الطيار يُحلق في تلك الليلة المظلمة على جناحي الرحلة 409 الأثيوبية، فهو حلّ مكان زميل له هو النقيب أماها الذي كان يُفترض أن يقود الطائرة بنفسه، لكنه تمنى على هابتامو أن يأخذ مكانه لضرورات عائلية. ويوم الجمعة، أي قبل يومين من سقوطه في البحر بكمّ من الأسرار، ظلّ طيلة النهار برفقة ابن شقيقته الذي جاء يزوره من غربة بعيدة. وودعه، غصبا عنه، خدمة لصديقه، على أن يعود ويراه صباح الاثنين. أتى الى لبنان ليلة السبت، وبعد منتصف ليل الأحد- الاثنين تسلّم الطائرة وكان معاونه الأول ليلتها علولة تامرات. أمضى وإياه نحو ساعة وعشر دقائق في أرض مطار رفيق الحريري الدولي، في انتظار انتهاء أعمال الصيانة الدورية، وحين دخلا غرفة القيادة كانت كل الأمور تبدو بخير وتجري في شكل سلس جدا، والطقس كان يبدو تحت السيطرة!
حلقت الطائرة في تمام الساعة الثانية و35 دقيقة صباحا مدة دقيقتين تحت الأمطار الغزيرة والعواصف الرعدية، تحت إشراف برج المراقبة، الى أن فقدت الاتصال فجأة ببرج المراقبة وهوت… وفي أثيوبيا يتحدثون عن شهب ناري سقط في تلك اللحظة من الفضاء في البحر! حادث حقا غريب!
الفنيون في قسم الهندسة والصيانة في أثيوبيا يستبعدون أن تكون الطائرة قد واجهت مشكلة ما فنية، فهي قطعة سبق وخضعت لصيانة كاملة قبل أقل من شهر على سقوطها، وهي صناعة 2002، والخطوط الجوية الأثيوبية التي تأسست عام 1945 كانت تستعد على عتبة 2010 لتتألق أكثر بعد في عالم الطيران، وأحلامها كانت واسعة جدًا لتستحق صفة: روح افريقيا الجديدة… ماذا حدث؟ اللبنانيون الذين سمعوا بلبنانيين سقطوا في طائرة اثيوبية صرخوا بعفوية: ولماذا يسافرون في الطيران الاثيوبي؟ ظنوا بأنه رديء، لكنه بشهادة كل من يفهم في الطيران وأصوله، باب أول!
نعود الى الطيار هابتامو بنتي لنستفهم أكثر عن “شطارة” طياري الطيران الأثيوبي. هابتامو كان، بحسب معارفه، حذرا جدا ومحطات رحلته الطويلة في عالم الطيران، التي امتدت عشرين عاما، تشهد. ويتذكرون يوم قاد عام 2007 طائرة من طراز فوكر كانت في رحلة الى آسوسا بسلامة شديدة على رغم أرض المطار الموحلة جدا والخطر الكبير!
طيارو الطيران الأثيوبي، أصدقاء طيار الرحلة 409، يستغربون أن يسارع البعض الى التكهن في ما حصل، فالانضباط في عالم الطيران يوصي عندما يكون هناك حادث، بعدم افتراض التسرع في استخلاص النتائج، بل انتظار استكمال التحقيق.
خطأ الطيار شبه مستبعد في آراء الأثيوبيين المعنيين بشؤون الطيران، لكنهم يتركون التحقيق يأخذ مجراه. الخطأ الفني شبه مستبعد أيضا، ولكن لا بد من تحقيق يثبت أيضا العكس. عبور طائر ودخوله المحرك أمر قد يحدث، لكن أن يؤدي الى تحطم طائرة بوينغ 737-800 فهذا كثير، والطيور، لمن يجهل، لا تحلق عادة خلال الليل، وخصوصا إذا كان الطقس عاصفا. هل يكون الطقس العاصف سببا؟ الرئيس التنفيذي لشركة الطيران الأثيوبي يجيب: “لو كان هذا صحيحا، فلماذا سمح ليلتها للطائرة بالاقلاع؟ ولماذا سمح بعد حصول الحادث لطائرات محملة في بطنها بالبشر بالهبوط والإقلاع؟!
سيبيل جبريتساديك (26 عاما) واحدة من المضيفات والمضيفين الخمسة الذين كانوا، لسوء حظهم، على متن الرحلة 409 الأثيوبية. ومنزل ذويها لبس الحداد بعدما طال الانتظار كثيرا. سقطت الصبية سيبيل في البحر ولم تطلع بعد، وأهلها الذين كانوا يتنقلون بلوعة بين شاشة صغيرة ومذياع وانترنت استسلموا بعدما وصلتهم رسالة تعزية هاتفية من مؤسسة الاتصالات السلكية واللاسلكية الاثيوبية. وعلى مسافة ليست بعيدة كثيرا من بيت سيبيل، لبس بيت غيليدا غيديون ثوب الحداد الأسود على الابنة- المضيفة التي غادرت هي أيضا ولم تعد.
شركة الطيران الأثيوبية تأسست عام 1945، وهي تضم أكثر من 750 تقنيا تدربوا في مدارس الصيانة الأميركية، وهذه الشركة تحوز مواصفات رائعة جعلتها تحلّ في مصاف شركات الطيران التي تتمتع بدرجة سلامة عالية جدا. وهي تضم خمسة آلاف و283 موظفا، 25 في المئة منهم في قسم الصيانة والهندسة. وفي خطط الشركة لهذه السنة، سنة 2010، أن يصل العائد الى مليار دولار، وأن ترتفع محطات السفر ستين وجهة جديدة، وأن تضاف الى عدد الرحلات ثلاثون أخرى. وتملك الأثيوبية ثلاث طائرات من نوع بوينغ 737-800 مخصصة للرحلات المتوسطة. خسرت منها واحدة وبقيت اثنتان.
شركة الطيران الأثيوبية تطلب اليوم طيارًا قادرًا على قيادة طائرات بوينغ 757 و767، على ألا يتجاوز عمره 55 عاما وأن يكون سبق وطار 1500 ساعة على بوينغ 737!
شركة بوينغ كما هو معلوم أميركية مقرها شيكاغو، ومصانعها موجودة في مدينة سياتل الأميركية. تأسست بوينغ عام 1916 على يد وليام بوينغ، وهي تملك طرازات مختلفة لاستعمالات شتى، منها مدنية ومنها عسكرية، ونادرا ما تمر ثانية لا تحلق فيها، في نقطة ما في السماء، طائرة من نوع بوينغ التي ستقود العالم في حقل الطيران، كما يهتف الأميركيين، خلال المئة سنة المقبلة.
ماذا حدث في تلك الليلة، ليلة الأحد- الاثنين، لا يعرف أحد أو لا يريد أن يعرف أحد، والأسهل ربما أن نقول إن الطيار الأثيوبي (الذي لم يحاول أحد أن يخبرنا عن خبراته وتاريخه) قد أخلّ بتعليمات برج المراقبة في مطار رفيق الحريري الدولي!
في حنايا اثيوبيا حزن كبير ايضا. طاقم الطائرة نزل في البحر واختفى، وفتيات اثيوبيات كثيرات لا يعرفن السباحة وقعن في البحر وغرقن مع غلة العمر وسنين القهر والعذاب ولوعة الاشتياق والصبر. اصدقاء هؤلاء عبروا عن غضبهم على صفحات الفايس بوك، وصلوا معا كثيرا وبحرارة من اجل كل من قضوا، أثيوبيين وغير أثيوبيين، وواحد فقط، سيئ النية، قصد أن يقول مات كل الأثيوبيين على الطائرة، مع فارق أن طاقم الطائرة الأثيوبي كله ينتمي الى جماعة التيغريان، بينما كل طاقم الخادمات هو من غير التيغريان! في أثيوبيا أيضا خلافات سياسية حتى في لحظات الموت!

بقلم نوال نصر

1 Comment

  1. د. خليل قصير |

    مقال جريْ في التوقيت ومنطقي في التحليل، محاولة صادقة للدفاع عن مظلوم باسم الأخوة في الإنسانية. بارك الله بك.

Leave a Reply